متي أصبح الإرهاق هو القاعدة؟
كان ضيفًا خفيف الظل صغير الحجم يزورني من الحين للآخر يذكرني أن آخذ قسطاً من الراحة بعد يوم دراسي عنيف أو بعد مساعدة أمي في أعمال المنزل.
كان ضيفًا خفيف الظل صغير الحجم يزورني من الحين للآخر يذكرني أن آخذ قسطاً من الراحة بعد يوم دراسي عنيف أو بعد مساعدة أمي في أعمال المنزل.
فتأمل شعاع الشمس المتسلل من وراء الشيش وأشم رائحة معطر الجو بالفانيليا الذي تفضله أمي مع ملمس اللحاف الناعم، فانغمس في نوم عميق خالٍ من الكوابيس والفوضى المتسربة لعقلي الباطن من أحداث اليوم، وكان اليوم طويلاً خالياً من الأحداث والصراعات لدرجة الملل، فأبدأ بالتفتيش عن خامات متناثرة في خبايا البيت من أجل مشروعي اليدوي الجديد ومن ثم أكمل رسمتي بالألوان الزيتية أو أصمم فستاناً جديداً لباربي.
تذبذبت علاقتي بالإرهاق مع تدرج الدراسي وتفكيري في المستقبل والقلق الناتج عن تعليقات الأهل ومقارنة نتائج الامتحانات مع أقراني في المدرسة، فتحول الإرهاق من ضيف خفيف إلى غمامة تلاحقني في كل مكان.
وأصبحت الراحة مكافأة وليست حقاً بشرياً طبيعياً من أجل الاستمرار، بل علامة على التقاعس في الواجبات والكسل، بل الاستهتار في بعض الأحيان. وتحول الرسم والمشي ومشاهدة التلفاز عملاً ضاغطاً يصحبه تأنيب الضمير، ومع الوقت صرت استقطع من نومي وقتاً للقراءة أو تدوين مذكراتي حيث أصبح هذا الوقت الوحيد للترفيه عن النفس. في الصباح للمدرسة والعصر للمذاكرة وعطلة نهاية الأسبوع لدروس التقوية ومحاولة إرضاء الكبار وليس للتعلم والفهم بالحصول على الدرجة النهائية.
وبطبيعة العصر الذي نعيش فيه، عصر السرعة، تحول اليوم إلى سلسلة من المهام التي لا تنتهي وتحولت غمامة الإرهاق إلى عملاق يتغذى على القلق وكثرة المسؤوليات. أصبح إيقاع اليوم سريعاً مثله مثل المحتوى الذي نشاهده والسيارات التي نركبها والأكل والمشي وحتى النوم، كله بسرعة “عشان نلحق”.
وجدت مصطلحات وعادات جديدة لوصف حالة الإرهاق المستمر مثل الاحتراق الوظيفي وضرورة تخصيص جزء من اليوم للراحة وتمضية وقت مع النفس والأهل والأصدقاء وضرورة ممارسة الرياضة والأكل الصحي وأخذ مجموعة من الفيتامينات بمواعيد محددة مدونة في جدول زمني لمواكبة كثرة المهام.
فتحول وقت الراحة إلى مهمة يجب إنجازها!
وهنا كان يجب أن أقف وأسأل متى أصبح الإرهاق هو القاعدة؟ ولماذا كل هذه الهرولة؟ هل هذه ضريبة البقاء أم هو اختيار شخصي للنجاح والسطوع والتميز والحفاظ على درجة اجتماعية محددة؟ هل هذه الضريبة والتضحيات التي تصحبها كافية للوصول؟ وما الذي نريد أن نصل إليه؟
ما أعرفه أن الإنسان خُلق لتعمير الأرض وفهم خباياها واستخدام مواردها واكتشاف نفسه وتطويرها، ولكن كيف للإنسان أن يكتشف نفسه ويعمر الأرض وهو في حالة دائمة من الإرهاق حتى انعدام رؤية الأهداف مع مرور الوقت؟ وهل من المقبول الاستسلام لدور الضحية وللأمر الواقع بحجة المسؤوليات والمظهر الاجتماعي!
كل هذه الأسئلة صارت تنهال علي من الحين للآخر وبدأت في رحلة يومية لفهم ما يحدث من حولي رغبة مني للتمرد على هذا العملاق. من أنا بدون منصبي الوظيفي وسيارتي وما أمتلكه من مقتنيات ثمينة؟
الإجابة على هذا السؤال أمر عسير وقد يتغير مع الوقت، والتحدي يكمن في التجرد من المألوف وتقبل عيوبنا كما هي بدون الحكم أو التوبيخ كي لا نقع في دوامة مفرغة من تأنيب النفس فليس ذلك المطلوب. وأيضاً عدم التملق والمجاملة لأن أي محاولة للخداع هنا ما هي إلا حالة من الإنكار وخداع الإنسان لنفسه. والكتابة تعطينا مساحة للصراحة مع النفس والتعرف عليها.
وكان من المهم أن أفهم ما هي القيم التي أفضل أن أتحلى بها. وكفرد من جيل التسعينات قمت بالبحث عن قائمة القيم المتعارف عليها على الإنترنت كي لا يختلط علي الأمر بين القيم والصفات.
وقمت بتمرين صغير، بعد قراءة القيم بتمعن اخترت قيمة رئيسة يتفرع منها بحد أقصى ثلاث قيم فرعية في كل ركن من أركان حياتي: ركن العمل والدراسة، الأهل والأصدقاء، وعلاقتي بنفسي، وبدأت في وصف ما تعنيه لي كل قيمة.
ساعدني هذا التمرين على وضع حدود مع نفسي وأصدقائي وفي العمل حتى لا أنجرف وراء التقدير والضغط الاجتماعي ووضحت الرؤية قليلاً، فأنجز العمل من أجل نفسي وقيمي وليس من باب إرضاء مديري في العمل والراتب الشهري فقيمي ليست للبيع، وأحاول كل يوم أن أختار قيمي وأن أفرق بين الاجتهاد في العمل والتفاني بلا مقابل مثمر. تعرفت أكثر على حقوقي وواجباتي تجاه الأهل والأصدقاء والقيم التي تمكنني من خلق صداقات قوية مثمرة لا تنحصر في تمضية الوقت بل الصحبة الطيبة الحاضرة المبنية على الدعم والاحترام المتبادل بل في بعض الأحيان التطوير من الذات.
أفهم علاقتي بنفسي وأحترمها فأوجد لها وقتاً ليس من باب الراحة فقط ولكن من باب الاحترام والتقدير والتطوير. أختار البطء، التأني بتمعن وليس كعرض جانبي للإرهاق.
أُذكّر نفسي يومياً أن هناك أفعالاً ليست مشروطة بالنتائج فقط، فالمشي في الشوارع لمدة نصف ساعة يومياً ليس لخسارة الوزن فقط، بل هو في حد ذاته فعل جميل له كيان مستقل غير مشروط بالرقم المشع من الميزان أو عدد الخطوات والسعرات الحرارية المحروقة. آخذ هذا المنظور الجديد معي لأرى به ممارسات يومية مختلفة كانت بالنسبة لي مهام واجبة مفروغاً منها فتضيف لطاقتي بدلاً من استنزافها.
صَغُر حجم العملاق وأصبحنا في نفس الطول والحجم، أنجرف من الحين والآخر لسرعتي السابقة فانغمس في العمل أو المغريات المادية والاجتماعية وأنسى قيمي التي اخترتها بنفسي، ولكن أُذكّر نفسي بما اخترت بتمعن ونية خالصة وما أريد أن أكون، أواجه نفسي بالحقيقة التي يمكن أن تكون قاسية في بعض الأحيان، وأن الإرهاق من الحين للآخر يكون عرضاً جانبياً لاختياراتي ونتيجة حتمية في أحيان أخرى. ولكنه صحي ومرغوب إن كان هذا الاختيار واعياً نابعاً من قيمة أو هدف واضح.
رحلتي مع الإرهاق لم تنتهِ بعد، ولكنها تحولت لرحلة لاستكشاف مسرات مختارة بتمعن وخطوات متأنية معظم الوقت.


