أنا والقربة والمعادي
مرّنت نفسي أن أضع علامة استفهام بدلاً من علامة تعجب، وألا أتسرع بالحكم على الأشياء، ولكن في بعض الأحيان كان يصعب علي ذلك، خصوصاً إن كان الحكم عليَّ أنا شخصياً
كانت القربة جزءاً لا يتجزأ من يوم جدتي، خصوصًا في فصل الشتاء. تذهب لتزور أختها في القاهرة بالقربة، وتذهب لفيلا الكينج بالقربة، وأعتقد أنها كانت تذهب للمصيف في مرسى مطروح بالقربة. فالقربة والتمدد على السرير أمام التلفاز بعد الطبخ، جزء من روتينها اليومي للاعتناء بنفسها؛ فلجدتي رونق خاص وهوايات عديدة من الرسم، التطريز والتريكو. ولم تكن علاقة جدتي بالقربة هي علامة الاستفهام الوحيدة تجاه الكبار.
فكنت طفلة تائهة سريعة الغضب، ولا أشعر بالانتماء تجاه فكرة أو مجموعة ما، يلازمني هذا الشعور أينما ذهبت! هكذا بدأت في كتابة هذه المقالة عن الخوف من التغيير وصورتنا المثالية عن الأهل، وفي ذلك حكم غير صحيح عن طفولتي. فالحقيقة أنني كنت طفلة تحب التأمل والاستكشاف، أعشق الأسئلة وفك وتركيب الأشياء، من قبل دخول الخوف حياتي، وكان هذا أحد الأسباب لكوني طفلة غريبة وغير مفهومة.
أفضل أن أجلس بالقرب من الكبار، أنصت لما يقولون وأتأمل تعبيرات وجوههم، فأتساءل: من هم الذين يحاربون البلد وينهبون مواردها عندما يتكلم الكبار عن السياسة وغلاء الأسعار؟ ولِمَ الحكم الشديد على أشياء لا تؤثر على حياتنا بشكل مباشر أو غير مباشر؟ ومن أين جاءت كل هذه المعايير الصارمة تجاه قرارات الآخرين؟ والأهم، لماذا تتحول بعض الأحاديث إلى نقاشات صاخبة بلا نتيجة مرضية لمعظم الأطراف؟
كانت من أهم ملاحظاتي وضع علامة تعجب، بدلاً من علامة استفهام تجاه كل ما هو غريب وجديد ومختلف عن الروتين. أتذكر في مرة كنت أجلس مع جدي فسألته: لماذا نكون دائماً آخر من يجرب أي شيء جديد؟ وكانت وجهة نظره أنه من الحماقة تجربة ما هو جديد، لأنه ببساطة لا توجد أدلة كافية أننا سنستفيد، وأن المغامرة فعل طائش ومتهور.
لم تكن هذه الإجابة مرضية بالنسبة لي، فأنا من مدرسة المغامرة والمخاطر المحسوبة.
مرّنت نفسي أن أضع علامة استفهام بدلاً من علامة تعجب، وألا أتسرع بالحكم على الأشياء، ولكن في بعض الأحيان كان يصعب علي ذلك، خصوصاً إن كان الحكم عليَّ أنا شخصياً؛ فكوني من أوائل الأحفاد، أمرُّ بالكثير من الأشياء للمرة الأولى، ليس فقط بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لهم أيضاً.
وفي مرحلة ما، كانت عائلتي وكل شيء تمثله بمثابة مرجع لكل الأشياء والأحوال التي لا أريد أن أكونها! فلقد تعرضت للكثير من الأفعال التي تندرج تحت الاعتداء العاطفي في عرف التربية الإيجابية، رغم محاولاتي الفاشلة لفهم أو تقبل تلك الأفعال، فقمت باختياراتي الخاصة وبنيت طريقاً مختلفاً لنفسي لاستكشاف العالم من حولي، وحاولت ولا زلت جاهدةً أن أتخلص من الآثار السلبية لتلك الأفعال مع المحافظة على علاقة مستقرة مع أهلي، فالعائلة جزء مهم من تكويني.
ومع مرور الوقت ومواجهة إخفاقاتي الخاصة، أصبحت نظرتي لأهلي واقعية أكثر. ففي الصغر يمثل الأهل المرجع لأشياء كثيرة، وفرضية أنهم معرضون للخطأ غير مفهومة، والتعايش مع أخطائهم يولّد الكثير من الغضب والتشكيك في أول مصدر مهم للمعلومات ومفهوم الأمان والاستقرار ونظرتنا للحياة بشكل عام.
وفي الحقيقة، هم بشر يخطئون ويتوترون وينتابهم الشعور بالوحدة والضياع، فهكذا خُلقنا، ولا يأتي الطفل منا بكتيب إرشادات يوضح كيفية التعامل مع هذا الطفل الصغير في جميع مراحل عمره، خصوصاً في التسعينيات. فرحلة التربية هي رحلة خاصة جداً، حتى في زمننا هذا مع كثرة الموارد وطرق التربية، الأمر لا يزال صعباً وفيه الكثير من التحديات؛ فلكل طفل وعائلة احتياجات وظروف خاصة لا يمكن أن تُلخص في مصدر واحد.
عندما هدأ جزء كبير من عاصفة الغضب بداخلي، كان من السهل ملاحظة الصفات الطيبة المشتركة بيني وبين أهلي. فالقربة جزء لا يتجزأ من يومي في شتاء القاهرة القارص، أحب القراءة والكتابة والتصوير وعدم الحكم على الآخرين مثل أمي. أعشق تصوير شجر المعادي، ويلفت نظري مواتير السيارات وقطع الأثاث الخشبية مثل والدي. وكل رسمة رسمتها أو كوفية صنعتها كانت بسبب مراقبتي لجدتي. وأدين بذوقي الممتاز في الموسيقى لخالي وأمي، فما أجمل الذوق الموسيقي لجيل السبعينيات العظيم.
أصبحت نظرتي موضوعية أكثر، أتعلم من تجاربهم وأحرص أن تكون لي توليفاتي الخاصة من التجارب والأخطاء المختلفة، فلا داعي لتكرار نفس الأخطاء عبر الأجيال، وأفتخر بالصفات والاهتمامات الطيبة والمشتركة بيننا. أصبحت زيارة الأهل والأقارب أخف، أستمع لحكاياتهم عن الماضي وأتأمل تفاصيلهم الصغيرة المميزة، وأتغاضى عن أي أحكام غير مناسبة لي أو لزمني؛ فخبرتنا في الحياة تأتي بتاريخ صلاحية إن لم نطورها. وأتمنى في يوم ما أن يقوم أطفالي أو أطفال العائلة بإنارة عقلي ومواجهتي بأخطائي، وأشعر بالامتنان الشديد أن هذه المساحة من تشارك الخبرات والنصائح أصبحت متاحة مع بعض من أفراد العائلة.
هذا لا يعني تجاهل الضرر الذي يقع علينا، ولكنه استغلال أفضل للطاقة، فالغضب يؤثر على تجاربنا الحياتية، وتجاوز هذا الغضب ليس بالأمر الهين ولكنه مهم.
ولكل منا أعباؤه العاطفية الخاصة يحملها معه أينما ذهب. منا من يعيش ويموت وأعباؤه كما هي مدفونة في أعماقه، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على حياته، ومنا من يقرر أن يخفف تلك الأعباء ويتعامل مع جزء منها. وفي أوقات ما، تتطلب بعض الأعباء أن يتم التعامل معها بغض النظر عن استعدادنا لمواجهتها. وهذه تجربة حياتية نمر بها جميعاً من أكبرنا لأصغرنا، فلا داعي لقسوة الحكم على الأهل ما لم يقوموا بجرائم موحشة غير آدمية.


